«سيرة القاهرة: المدينة التي تنيرها قلوب سكانها – مدى مصر»

أعد صياغة

نستكشف هنا برامج فنية ومبادرات وتعاونيات ومجموعات عمل وصفحات تحاول المساهمة في رفع أسقف الخيال الثقافي والوعي النقدي حولنا.

حين قرأت نجيب محفوظ لأول مرة افتُتِنتُ بأبطاله الضائعين في بحثهم عن أنفسهم، وحين قرأته للمرة الثانية افتُتِنتُ بزحف ناسه العاديين في تيار الزمن، وحين قرأته للمرة الثالثة افتُتِنتُ بالقاهرة. لكن كيف تُفتَن بمكان لم تره من قبل؟ كيف تألفه دون أن تعرفه؟

في افتتاحية رواية زقاق المدق يقول الأستاذ: «تنطق شواهد كثيرة بأن زقاق المدقِّ كان من تُحَف العهود الغابرة، وأنَّه تألَّق يومًا في تاريخ القاهرة المُعزيَّة كالكوكب الدريِّ. أيَّ قاهرة أعني؟ .. الفاطميَّة؟.. المماليك؟ السَّلاطين؟ عِلْمُ ذلك عند الله وعند علماء الآثار؛ ولكنَّه على أيَّة حال أثرٌ، وأثرٌ نَفِيس».

فالرجل يتحدث عن حارة الصنادقية دون أن يقرأ شيئًا عنها، لكنه يشعر بأن هذا المكان ممتد بوجوده في الزمان القديم، لم يحدد ذلك بمعرفة أكاديمية ولكنه تأمله بمشاعره. يعرف علماء الآثار أن الجبرتي بجلالة قدره سكن البيت رقم 15 من الحارة، لم يعرف محفوظ ذلك، لكنه شعر به شعورًا لا يحتاج إلى دليل.

كتبتُ يومًا نصًا لحلقة للعرض على يوتيوب عن نجيب محفوظ، قالت لي صديقتي الغيورة إنني ربما عرفت عن أدبه وفلسفته أكثر منها، لكنها عرفت عن حاراته ومشربياته أكثر مني. انتقلت عدوى الغيرة إليّ فورًا، أغار على محفوظ كما تغار أم كلثوم على حبيبها «أغير من اللّي يحبك ويصون هواك أكتر مني». أخبرتني أنها من فترة قصيرة جالت مع مبادرة تُدعى «سيرة القاهرة» في تمشية خاصة بعوالم نجيب محفوظ، تتبعت أين عاش؟ أين جلس حين أُلهِم الثلاثية؟ أين مشربية أمينة؟ أين القبو والزقاق؟ أين اصطرع الفتوات؟

شعرت بأن شخصًا اطلع على أحلامي، رسمها ولونها، ثم حولها إلى ممارسة حقيقية من لحم ودم. أليس هذا بالظبط ما أبحث عنه؟ أليس من المفترض أن أكون في الصف الأول لهذه التمشية؟

تواصلت بسرعة مع مؤسس «سيرة القاهرة»، عبد العظيم فهمي أو زيزو، ورتبت معه موعدًا، فضلت أن يكون لقاءنا في وسط البلد لقربها مني، فقال لي: «إيه رأيك نتقابل في الجمالية، هناك هتفهم سيرة القاهرة أكتر». الجمالية؟ أطرب فقط من وقع الكلمة، أشعر أنني هناك سأكون شخصية من شخصيات نجيب محفوظ، وأسمع صوت عادل إمام وهو يتحدث عن الأستاذ قائلًا: «نجيب محفوظ خد نوبل وهو قاعد على القهوة في الجمالية»، هلم بنا إلى الجمالية بأنفاس متلهفة!

عبد العظيم فهمي

القاهرة.. ألفين سلام يا قاهرة 

قد تتحرّج أي مبادرة ثقافية من حصر نفسها في إطار معرفي أو جغرافي معين، لكن «سيرة القاهرة» تحدد بشجاعة حيز اهتمامها بالقاهرة، دون أن يكون لها علاقة بأي شيء خارجها. القاهرة مدينة تراثية عالمية، تستحق أن يكون لها انشغال نوعي خاص بها، ذلك التاريخ والتراث والتراكم الحضاري الهائل ينفرد بمفاتيح خاصة، لم تكن «سيرة القاهرة» أول من يضع يده عليها بطبيعة الحال. ففي زهرة شباب القاهرة؛ حين كان عمرها 400 عام أو أقل، بشّر المقريزي بفن جديد لا تستحق القاهرة ما هو أقل منه؛ فن الخِطط، والذي يُعنى بطوبوغرافيا المدينة؛ شوارعها ودروبها وأزقتها ومبانيها، دون أن ينسى -ومن هنا تأتي فرادة فن الخِطط- التفاعل الإنساني مع هذه الشبكية العمرانية الفائقة. 

الخِطط هي الدراسات الحضرية عن المدينة، الشوارع وسبب تسميتها ومنشئاتها وآثارها، الأحداث والوقائع التي شكلت ذاكرته، الشخصيات التي عاشت ومرت به ومر بها. هي نوع من الفنون الكتابية التاريخية المختصة بالقاهرة، والتي لها السبق فيها، لا تضاهيها الخِطط الدمشقية والبغدادية على قِدمها، لا تتحمل مدينة أخرى في العالم هذا الكم أو الكيف من التفاصيل المدينية، والأكثر أنها مدوّنة من العصور الوسطى بشكل لا يسعه إلا أن يُعاد مرة بل ومرات مع صمود المدينة لسبعة قرون أُخَر بعد المقريزي. فمن الخٍطط الأولى استلهم علي مبارك خٍططه التوفيقية في القرن التاسع عشر، والتي وصف فيها القاهرة بين ما كان وما هو كائن. بعد عدة عقود، حمل الخٍطط المقريزية والتوفيقية كليهما في حقيبته موظف حكومي جال مصر بحكم وظيفته في وزارة المالية، هو محمد بك رمزي الذي أنشأ القاموس الجغرافي للبلاد المصرية. لم تكن تلك إلا محطات ثلاث من مئات بل وآلاف الكتابات التي نهلت من معين القاهرة المتجاوز للزمان والمكان والأجيال.

والسؤال هنا؛ ماذا بقي في القاهرة المعاصرة من ماضيها ليستمر مسار تتبع إرثها في الحاضر؟

يرى زيزو أن فرادة تراث القاهرة تتأتى من كونه تراثًا حيًا وليس متحفًا مفتوحًا، إذ لا يستسيغ متحفة القاهرة باعتبار التعامل مع تراثها بهذه النظرة هو أول مقوضاته.

جلسنا على «قهوة عم هشام» ندخن ونشرب القهوة والشاي، نسند رؤوسنا المترنحة من حر يوليو على الواجهة الغربية لخانقاه بيبرس الجاشنكير بشارع الجمالية، ظل الباب المكسو بالرخام الأبيض باردًا مع ذلك. «هذه هي سيرة القاهرة وليست أكثر من ذلك» أخبرني زيزو، «إننا نجلس على مسافة زمنية تربو على 700 عام من وقت إنشاء الخانقاه، لا زال حيًا، ولا زلنا متفاعلين معه، لم يتحول لڤاترينة ولم نتحول لمتفرجين». 

من باريس إلى الجمالية.. المتسكع الذي وجد هويته

درس عبد العظيم فهمي التاريخ في كلية الآداب بجامعة القاهرة وتخرج منها سنة 2005، واشتغل بالتدريس لفترة، ولم يكن أيٌ من ذلك مدخله للقاهرة على كل حال. اهتم زيزو بتاريخ المدينة إذ قضى طفولته في باب الشعرية، وهي في حد ذاتها تغذية بصرية طبيعية مفعمة بالطقوس الشعبية والموالد وشكل المباني والمآذن القديمة، كانت لعبته المفضلة ما أسماها «التوهة»، إذ تعمد في طفولته -وإلى الآن- أن يتوه ليستكشف.

رغم دراسته الأكاديمية إلا أنه يعتقد أن كل ما يعرفه عن القاهرة هو دراسة ذاتية، «الجامعة تدرس التاريخ ولكنها لا تدرس التراث؛ لا تدرس القاهرة».

في 2017 بدأت فكرة «سيرة القاهرة» في الاختمار، فمع مرور مؤسسها بتجربة قاسية كان التجول في المدينة هو طريقته في الاستشفاء؛ «منحتني القاهرة أكثر بكثير مما يمكنني أن أمنحها، عالجتني نفسيًا، في اكتئابي أطوف في حواريها، هي الملاذ الوحيد الذي لم يلفظني قط».

فكرتُ في أنه قبل قرابة القرنين وعلى الجانب الآخر من البحر المتوسط كان الشاعر الفرنسي بودلير يتجول هو الآخر في باريس بلا هدف واضح، ليس كمشاهد سلبي، بل كمراقب عميق للحياة الحضرية الحديثة. الـ flâneur أو المتسكع الحضري عند بودلير، هو من يندمج في الزحام، يرى الجمال في التفاصيل اليومية العابرة للمدينة. ثم عاد الفيلسوف الألماني فالتر بنيامين بعد عدة عقود ليوظف الـ flâneur كاستعارة للبحث عن الهوية ومقاومة النسيان.

كانت أول تجارب «سيرة القاهرة» على جروب واتساب يدعو أبناء المدينة ومحبيها للنزول وتنظيف تلك المواقع المنسية ولفت النظر إليها والكتابة عنها. أحدثت المبادرة الشابة صخبًا واسعًا على السوشال ميديا، ما جذب انتباه وسائل إعلام محلية ودولية. على الناحية الأخرى لم تستقبل وزارة الآثار الأمر بترحاب كبير، إذ رأت أن الفعاليات من هذا النوع قد تضر أكثر مما تفيد. مع توثيق الصفحة الرسمية بدأت المبادرة تركز عملها على التوعية والتوثيق أكثر.

من هنا بدأ الجذب القاهري، واستدعاء حالة «التوهة» الطفولية بالمشى في الحواري والأزقة، بالتصوير والتوثيق والقراءة المستفيضة. يشبه زيزو الجذب القاهري بالنداهة، إذ يبدو أن المدينة تملك تعويذتها الخاصة، والتي تبث روحها في أحلامه ليستيقظ في اليوم التالي منقادًا إلى زقاق قديم، أو أن يقرأ عن شارع حصلت فيه إحدى الحوادث فلا تتركه النداهة حتى يذهب إليها.

المشهور من القاهرة الإسلامية مسجدا الرفاعي والسلطان حسن، ضريح سيدنا الحسين وقلعة محمد علي، في المقابل فإن آلاف الآثار مجهولة للأجانب ولأهل القاهرة على السواء، مدفونة في أرتال النسيان والإهمال والقمامة. من الجلي أن الاستكشاف الذاتي أعمق وأكثر جاذبية من التجول المنظم الذي يشبه الرحلات المدرسية.

يفرّق زيزو بين الجولة والتمشية في غياب عناصر الشغف والاستكشاف عن الزيارات المحددة ببرنامج ثابت ومعالم مقيِّدة. على العكس تكون التمشيات أشبه بارتجال منظم يتعامل مع كائن القاهرة الحي بذكاء. تمتاز التمشية عن الجولة بكونها تخلق علاقة بين المشائين والمكان وبين المشائين وبعضهم البعض. فالتمارين التفاعلية ركن أساسي في كل تمشية؛ «عند المقهى الفولاني اجلس واطلب شايًا أو قهوة، من طقوس التقرب للمدينة أن تمنح شيئًا ولو بسيطًا لأهله الذين يحافظون عليه حيًا. وعند الأثر الفولاني توقف قليلًا وتأمل النص الكتابي على الباب، اسأل المارة عن المكان المغلق وكيف يرون إمكانية إعادة تشغيله. وما يضيرك من بعض الدردشة مع صاحب تلك الحرفة الذي يعمّر وكالة من زمن فات؟ أنت لست هنا للفرجة، أنت ابن المدينة ولا بد أن تتفاعل معها».

عبد العظيم فهمي مع أحد سكان المنطقة

سألت زيزو لو كانت المبادرات الجوالة التي ظهرت في القاهرة في أعقاب ثورة يناير هي استعاضة عما فقده الجيل من حرية حركة؟. أجابني بأنه لا يمكن ربط المسيرة السياسية بالمسيرة الثقافية، لكن جيل الثورة اعتاد سلوك المشي، حتى مع تغير الوجهة. والحلقة التي فقدها بتغير المشهد السياسي تخلق احتياجًا يتطلب إشباعًا، وفي رأيي فإن ملء الفراغ والاندماج مع المكان يقدمان تعويضًا بشكل ما.

«بدلت ثورة 25 يناير حيواتنا جميعًا، لحم دماغنا من خير الثورة، حتى مع تنحية السياسة من مشهدها تمامًا، فقد صنعت تغييرًا في دماغ كل مشارك فيها وكل معاصر لها، كانت الشرارة التي أشعلت إمكان التغيير وامتلاك القرار فينا. أظهرت الثورة على الساحة فنونًا وكتاباتٍ وإبداعًا، وأبرزت نشاط جيل كامل». 

يؤمن زيزو بأن المدينة كائن حي، لو صدقت في بحثك عنها سترضى عنك. لو اندمجت مع روحها العتيقة في استكشاف شوارعها وبناياتها، ستفتح لك سككها السحرية، ستأخذ بيدك من زقاق لعطفة لتهديك في النهاية لأثر مجهول، بيت عتيق، أو موتيفة من زمن غابر. لو منحتها وقتك وليس مجرد جولة محددة بزمن، لو تنفست جوها، لو أخلصت في مصادقتها، تمامًا كالمريد أمام عتبة الولي، فربما تفتح لك أبوابها الأسطورية، تلك التي لا تنفتح لمن ينظر إلى سطحها.

«القاهرة إنسان عمّر في الأرض 1000 سنة، حفظ تحت سطحه أساطير وحكايات ووقائع ومباني وملامح غائرة، لن يتأتى لأحد أن ينفذ إلي أحشائها وشعابها إلا بالصدق».

توقفت قليلًا أمام تعبير «الصدق»، إذ سمعت نفس الوصف من المترجمة هويدا منير، التي ترافق السيرة منذ سنتين، والتي تعتقد أن المميز في السيرة هو زيزو بشخصه وصدقه وروحه، لما يملك من قدرة على تحويل التاريخ لرواية معاشة بالبشر والأساطير، «بحس وأنا بسمع زيزو إني قاعدة قدام ألف ليلة وليلة».

وتقول: «أبويا كان بيمشيني من الأزهر لقصر النيل، وأخدني نزور قصر الدوبارة قبل ما يتحرق بشهر، علمني أمشي عشان أتأمل وأفرغ الطاقة السلبية، لكن التمشية مع السيرة مختلفة، بعدها بتسيطر عليا حالة من الدهشة، بعدي قدام الأماكن دي كل يوم بدون ما أدرك قيمتها».

هويدا منير

لكي تحب القاهرة يجب أن تعرفها، ولكي تعرفها يجب أن تمشي فيها. فالمشي في المدينة والتعرف عليها من المفترض أن يكون ثقافة عامة، وهو رياضة مناسبة تمامًا لشعب مصر. المشكلة أن المدينة الحديثة لا تعترف بالإنسان، لا تنظر إليه ولا تفكر فيه، وهي بوضوح «مدينة تحتقر الإنسان، وتحترم السيارات الملاكي». وبالعكس فإن القاهرة القديمة هي الأنسب للمشي، لأنها مبنية أساسًا للإنسان. كانت الحمير والجمال وسائل النقل المستخدمة حين بُنيت القاهرة، وحين بنى محمد علي شارع السكة الجديدة سأل وزراءه عن الاتساع المقبول للشارع، فأخبروه أن يجعله على اتساع جملين متقابلين يحملان التبن. والاتساع المقبول الآن ثمان حارات، كل تخطيط يراعي زمنه بطبيعة الحال، لكن التخطيط الحديث يسلب الإنسان حق وجوده في المدينة، «زي لما مصور يصور مبني أثري بيستنى الناس تعدي عشان مايطلعوش في الصورة، أنا بستني إن الناس تعدي عشان أطلعهم في الصورة!».

لا تحب المدينة الحديثة أن ترى الإنسان في لحظات التنقل بين الأماكن، هي فقط تريد أن تراه يصل لهذه الأماكن بأقصى سرعة. ولهذا فسؤال «ليه أصلًا تبقى عايز تمشي؟» يستتبع بالضرورة أن تفتقر الطرق لخدمات للمواطن المشاء. وبغياب نفق أو كوبري المشاة، وبتجاهل ما يحتاجه الناس فعلًا، فالتحايل هو الحل. وتأمل شارع الأزهر المُسيّج بطوله بالحديد، يُقص الحديد كل حين لتعود الدولة للحامه مرة أخرى، لا نقول أن الناس صح في كل مرة، لكن تهميشهم بالكلية خطأ تتحمله الدولة في كل مرة. ولا نقول أن التطوير خطأ يجب أن تتراجع عنه الدولة، لكن حين يتعارض مع حاجات الناس فعليها أن تراجعه على الأقل.

ما بعد الاستشراق .. قاهرة التراب لا قاهرة الصورة

يعتقد زيزو أن المبادرات المحلية المعنية بتراث القاهرة -جميعها- ترى القاهرة بعدسة المستشرق، بينما تنفرد «سيرة القاهرة» بعنايتها بتراب القاهرة، حيث تقدم المدينة بطبيعتها وأحشائها دون تجميل، هذه مدينتك، أنت ابنها، عِش فيها ومعها ولا تكتفِ بالفرجة عليها.

تحدثنا الأدبيات الأوروبية عن شرق متخيّل صنعه الأوروبيون في أذهانهم عن مدننا قبل أن يروها، وحين أتوا على دباباتهم أو في جولاتهم قبل ذلك بقليل، لم يغيروا من نظرتهم الأولية شيئًا، فراحوا يسقطون شرقهم المتخيل على شرقنا الحقيقي. كان ذلك قبل أن ننتبه لأنفسنا بعقود طويلة، وحين أفقنا لم نفحص القاهرة وحتى لم نقرأ ما كتبه المقريزي عنها، وإنما لجأنا لأبعد الحلول وأغربها؛ قرأنا عن أنفسنا ما كتبوه، ومن حينها ونحن نتيه في بحث عبثي لن يقود إلا لمزيد من البحث ومزيد من العبث. «نحن أبناء القاهرة وأصحابها، نملك نظرة أعمق وأخصب وأكثر فهمًا لها، والانغماس في المدينة هو ما يخلق انتماءً حقيقيًا وما يقينا من الشعور الغامر بالدونية والضياع».

ويعتقد زيزو أن المبادرات والمشروعات القليلة التي تنجو من فخ نظرة المستشرق، تنزوي هي الأخرى في مجال العمارة، إذ يندر أن تستخدم إحداها شيئًا من التراث الشعبي في عملها. يحظى التأريخ المعماري بنصيب الأسد لأنه في النهاية من سيرمم المنشأة التراثية، والحكومات لن ترحب بغيره،

لكن من للنسيج العمراني للأثر؟ من سيجمع التراث الشفاهي ومن سيوثق الحرف اليدوية المحيطة بالأثر؟ أما من دارس لتفاعل الناس مع الأثر؟ ألن يفكر أحد أخيرًا في التحدث مع تلك الأسرة البسيطة التي تطل شرفتها منذ عقود على الأثر؟ ألا يبدو لك ذلك الجار كمؤرخ شعبي يملك حكايته هو الآخر؟ إن ترميم الأثر وغلقه لا يفضي إلى شيء، وكذا فإن توثيق الأثر دون الناس هو كاجتزاء النص من سياقه.

افتُتِن الأوروبيون بسحر الشرق، وسحر الشرق الفاتن هذا وصل إليهم بطريق التراث الشعبي، بليالي ألف ليلة وليلة، بتاريخ العوام. لذا فإن زيزو المفتون بحكايات القاهرة الشعبية حين قرر أن يستزيد من الدراسة، تخصص في التراث الشعبي بأكاديمية الفنون، تلك الشعبة المحتقرة من أكاديميا التاريخ بعمومها.

وعلى سيرة ألف ليلة وليلة، فجدير بالذكر أن العديد من الباحثين يعتقدون أن أحداث ألف ليلة وليلة، وإن ظهرت في مدن مختلفة؛ فارسية وهندية وعربية، إلا أنها تستحضر أجواء القاهرة وثقافتها وتقاليد أهلها وكأنها دارت على مسرحها في أثواب مختلفة. يتبدى ذلك من اللغة وأسلوب السرد والجو العام للقصص والتي يجادل البعض بأنها قصص قاهرية في جوهرها. في إحدى تمشيات «سيرة القاهرة» التي تتبعت أطلال الوكالات التجارية التي ازدهرت في القاهرة يومًا، يربط زيزو الموتيفات الفنية لشخصية علاء الدين أبو الشامات من «ألف ليلة وليلة»، بشخصية «أبو طاقية» شاهبندر التجار في القرن السادس عشر والذي لا يزال يحمل اسمه خان أبو طاقية بالقرب من شارع المعز.

وكذا فإن قاهرة نجيب محفوظ التي رُسِمت بحرفية مذهلة في الثلاثية الشهيرة، يمكن أن نتجول في أطلالها دون أن نقرأ الرواية أصلًا. ولكن لأن أدب محفوظ كان صادقًا فإن استحضار خياله عن المدينة أثناء المشي فيها، يبث في آثارها نبضًا وروحًا. تعمد «سيرة القاهرة» لتمثيل النصوص الأدبية المكتوبة عن تراث المدينة على واقعها لتقول ببساطة أن القاهرة أعمق من مجرد من مدينة تراثية.

تُصمم كل تمشية لتحكي حدوتة، وحين تمر السيرة بحارة المقاصيص بالجمالية يُستدعى على الفور المثل الشعبي «العب بالمقصوص لما يجيك الديواني». ففي القرن السادس عشر، عرفت مصر -بسبب الأزمات المالية وتدهور قيمة العملات الفضية- ظاهرة «قص النقود»، حيث كان الصيارفة اليهود يقصون أنصاف الفضة إلى قطع أصغر لتحقيق أرباح غير مشروعة، مما تسبب في فوضى اقتصادية استمرت حتى منتصف القرن التاسع عشر. ارتبطت هذه الظاهرة بحارة اليهود، وتحول اسم «عطفة الصاغة» إلى «عطفة المقاصيص»، والتي بقيت حتى الآن وبقيت معها الحكاية المثيرة شاهدًا على براعة التجار اليهود ودورهم في صناعة المجوهرات وتأثيرهم على الثقافة الشعبية، إذ بقي المثل المصري هو الآخر يحث على الرضا بالشيء المنقوص حتى يأتي الأفضل.

«الجعان بيحلم بسوق العيش»، وكذلك يقول زيزو أنه «جعان تراث»، فهو يستدعيه في أحلامه، يتخيل كيف عاش أهل البيت المهجور من 200 سنة، كيف كان صوتهم، كيف أطلوا من شباكه على الحارة. يبدو الأمر كأنه إعادة بناء للمدينة من الذاكرة والخيال معًا. 

في التمشية «الجغروائية» لعالم نجيب محفوظ الزماني والمكاني، جالت السيرة حول القبو والتكية ومشربية أمينة وقهوة كرشة والمآذن والوكالات والصنادقية وغيرها. تمامًا كما فعل محفوظ حين تخيل لأول مرة. هُدِمت التكية سنة 1927، وهو على ذلك قد مر بها وسمع أناشيدها طوال السنوات الإثني عشر التي عاشها في الجمالية، وحتى إن لم يفهم منها حرفًا فقد تأثر بها التأثر الذي يكفيه ليبسط خياله على أقصى امتداده فتنبعث الأسطورة من سباتها. «عبقرية نجيب تنازعه وتشاركه فيها القاهرة، فهي التي ألهمت خياله وهو الذي صدق في حبها ليجلو عنها التراب». وأهم ما يميز محفوظ حسبما يرى زيزو أنه «معجون في تراب القاهرة»، ولذا فقد نال كرامات لم ينلها وليّ.

تمشية نجيب محفوظ

ويرى زيزو الذي يعتبر نفسه من مجاذيب نجيب محفوظ أن الرباط بين القاهرة ومحفوظ رباط مقدس، وأن التعامل مع القاهرة من منطلق أثري تاريخاني بحت يريك قاهرة أخرى غير قاهرة محفوظ؛ قاهرة بعناوين مفرغة من محتواها. ورغم أنه قرأ محفوظ في طفولته، إلا أن زيزو دائم الرجوع لرواياته مع كل عمل جديد للسيرة، وذات الفكرة هي جوهر مشروع السيرة؛ ربط المواقع الأثرية بالحالة الإنسانية. يحدث ذلك خصوصًا بالنظر لأن قراءة محفوظ تختلف عن استقرائه، والوقوف على تفاصيله دائمًا ما ينبش عن أفكارًا أعمق؛ «تمامًا كالبئر الذي تعرف فوهته وتجهل ما تحتها من عمق».

تخلق الفنون بالذات شعورًا حميميًا مع أماكن لم نعرفها أبدًا، أخبرت زيزو أنني انتقلت للعيش في القاهرة بعد قراءة نجيب محفوظ، كان هذا مفتاحي للوله بالمدينة، وأخبرني زيزو أنه ولِه بها من أعمال أسامة أنور عكاشة. واتفقنا أن المدخل للنفاذ لعمق القاهرة دائمًا ما يكون فنًا من الفنون، والتفسير واضح، فالفنون تلامس روح الإنسان. والقاهرة مدينة قبيحة ومزدحمة ومزعجة إن نُظِرت بالعقل أو اختبرتها الحواس، وهي أجمل مدينة في العالم إن لامست روحها.

تعتقد هويدا، أن السيرة تختلف عن غيرها من التمشيات والجولات في أنها تفتح مساحة للتعرف على المدينة من مجالات معرفية مختلفة، فدائمًا ما يصاحب السيرة متخصصون في العملات والخطوط والطوابع والعمارة، «حين زرنا متحف البريد قرأنا التاريخ السياسي للقاهرة من أيام الخديوي إسماعيل من خلال طوابع البريد».

أعتقد أن ما تفعله «سيرة القاهرة» في 2025 ليس ألفين خمسة وعشرينيًا خالص، أخبرت زيزو بذلك، فأجابني بأن هذا بالضبط ما يجعل المبادرة مميزة. فحين تتوقف «سيرة القاهرة» أمام سبيل قايتباي بشارع شيخون بالقلعة، يكون توقفها إما أمام الوظيفة المعمارية للسبيل، فهو منشأة مائية ذات طراز يدل على العصر المملوكي، يتميز بأسلوب تسبيل معين، في حجرة السبيل لوح من الرخام الأبيض مُركَب بشكل مائل ليسهل جريان الماء عليه من أعلى إلى أسفل لتبريده، أُلحِق به كُتّاب ورواق ومراحيض وحوض للوضوء، كما يشي النص التأسيسي المكتوب بالخط الثلث المملوكي البارز بكذا، تشير رفارفه الخشبية إلى كذا وكذا. وإما أن يكون التوقف أمام التجربة الإنسانية المعاصرة والملازمة للسبيل من لحظة وجوده وحتى لحظتنا. عاصر السبيل ناس كُثُر وحكايات أكثر، كم حكاية منها يمكن تتبعها؟ كيف يمكن أن نقارب بينها وبين النصوص الأدبية والتراث الشعبي المستلهم منها؟

يظهر تركيز «سيرة القاهرة» على التراث الشعبي كعنصر مميز لها عن غيرها من المبادرات، إذ تهتم بحكاية تاريخ الناس حول الأثر لا تاريخ الأثر معزولًا، لم سموه بهذا الاسم؟ كيف شهدوا تطوره بمرور الزمن؟ كيف بُنِي وهُدِم في كل عصر أمام أعينهم؟ والإجابة عن كل هذا هي ما تضعنا في النهاية أمام كائن القاهرة الحي.

لا ينكر زيزو أن التركيز على المسجل من الآثار أسهل، خصوصًا أن منشآت قراسنقر المنصوري مثلًا لها وثائق متاحة، بينما البيوت المجاورة لها غير موثقة، ولمعرفة أي شيء عنها ستحتاج لمشاوير شاقة للوصول لفواتير العوائد ودفاتر الأرشيف وخلافه. لكن الاستسهال يوقعك في غلطة اجتزاء الأثر من المكان المحيط به، وهو مناقض تمامًا لمشروع السيرة.

تحدد السيرة الفترة التي بني فيها البيت بالتقريب من طرازه المعماري ومواد بنائه والمنطقة المحيطة به، يظهر من شكله من أي طبقة كان سكانه، فالمدينة لا تقرأ كمباني فقط، والعمارة والعمران مختلفان.

«أهم ما يعنينا في السيرة علاقة الناس بالمكان، كيف نُسِج المجتمع من حولها، أجلس مع عم هشام وأسأله متى فتح القهوة وكيف كان الشارع وقتها؟». وفي الدرب الأصفر ورشة تكفيت نحاس؛ الفن الذي يرجع للعصر المملوكي، والحرفي هناك يقف ساعات أمام قصر بيبرس الجاشنكير يتأمل الباب ويدرسه ويرسمه ويستلهم منه.

ورغم أن «سيرة القاهرة» من المفترض أن ينسحب عملها على القاهرة كلها، إلا أنها تتآلف مع القاهرة القديمة خصوصًا، «أجد نفسي أكثر في الزقاق والحارة والعطفة، في الباب وحودة الشارع وأحجار البيوت القديمة». وفي حين تحرص المبادرات المماثلة على نفي انطباع الجانب الذاتي لمؤسسيها على منهجية عملها، إلا أن زيزو يصرح بذلك دون خجل «في النهاية سيرة القاهرة هي تجربتي الشخصية جدًا، أحاول نقلها للناس كما هي».

من إحدى تمشيات نجيب محفوظ

قصص السكان الأصليين للقاهرة

فكرت أن «سيرة القاهرة» كان من الأوقع أن تُسمى «مسيرة القاهرة»، لكن ذلك كان ليقصر قصتها على الحركة، بينما السيرة تتوقف عند قصص الناس أكثر مما تسير أمامها، والسيرة تقف عند كل محطة من حياة كائن القاهرة الحي، تقفو أثره وتتابع كل جوانبه، تدق أبوابه جميعًا؛ عمارة وعمران وأدب وأغنية وسينما وتراث شفهي وشعبي، «سيرة القاهرة هي سيرة الناس قبل كل شيء».

مع الطيف الواسع من أصدقاء السيرة، وجدتُ أن التباينات الاجتماعية والعمرية والمعرفية أكثر من أن تُحصى، في حين أن ما يربطهم غالبًا شيء واحد؛ شعورهم بأنهم وقعوا على كنز. أول جملة يقولها كل منهم في أول تمشية «من زمان بدور على حاجة تعرفني على القاهرة بالشكل دا».

يؤمن زيزو أن الكثيرين سيحبون السيرة وستحبهم لكن التلاقي بينهم صعب، وما أن يتم اللقاء سيصبحون من أهل السيرة بدون جهد. تخلق السيرة حميمية غير مفهومة مع المدينة ومع الناس.

يظل عمل «سيرة القاهرة» مرتبط باستقبال أهل المكان، ففي أغلب التمشيات تصل السيرة لأماكن شعبية مأهولة قد لا يرحب أهلها باقتحام حياتهم. ويعتقد زيزو أن حل الإشكال يأتي دائمًا من الضيف، ففي كل مرة تقريبًا سيُحسن المصري البسيط استقبالك إن عرفت مفتاحه؛ «لو أهل الحارة لقوك بتعاملهم باحترام ممكن يغدوك أو يعملوا لك شاي»، ليست الجدعنة المصرية تعبيرًا مبتذلًا إذن، بل هي حقيقة إن عرفت مدخلها، فلو تعاليت عليه في منطقته، فليس مستغربًا أن يطردك منها، بينما لو صادقته، لو أوجدت مساحة مشتركة للكلام معه، لو عرف أنك ابن القاهرة مثله، لن يكون من حاجز بينك وبينه. «المواطن في المناطق الشعبية عايش في هلع وخوف من أي رِجل غريبة، أنت جاي تصور ليه؟ أنت تبع الحي؟ هتهدوا؟ هتصور الزبالة؟ هتطلعنا بشكل وحش؟».

يحكي لنا زيزو حكاية تعكس روح الضيافة عند السكان الأصليين لمصر، ففي أثناء عمله على مشروع «البشر والحجر» مع صندوق التنمية الثقافية، والذي استهدف الناس الشعبيين بدلًا من الأكاديميين ليحكوا حكاية القاهرة، وأثناء مروره بكفر الطماعين بالدراسة، سمع صوت ضحكة مجلجلة لست مسنة تجلس على مصطبة بيتها مع جاراتها، وحين جر الكلام معها وجد أنها أصلح من يمكن أن يمثل المشروع. بعد أيام وفي قصر الأمير بشتاك، جلست الست حسنية أمام الحضور الغفير تلقي لأول مرة في حياتها محاضرة، لأول مرة في حياتها تُسمع حكايتها باهتمام، ولأول مرة يراها أحفادها في هذا الموقع. حكت حكايتها منذ جاءت للقاهرة سنة 1948، ربما لم يسمع ولم يستمتع أحد من الحضور بمحاضرة كهذه من قبل. تكلمت الست حسنية بعفوية لا يسعك إلا أن تحبها.

زيزو والست حسنية

وفي إحدى تمشيات السيرة بالدرّاسة، تركت أم شروق نصبة الخضار وأوقفت المسيرة لتسألهم «إيه اللي عاجبكم؟ دا بيت قديم، تعالوا وأنا هوريكم»، لتستضيف المجموعة في بيتها وتريهم نصًا أثريًا على الجدران يعود تاريخه للقرن الـ 18. لطالما عرفت أم شروق أهمية الأثر الذي هو جزء من بيتها وحافظت عليه. وهكذا تفتح لك القاهرة دائمًا سككًا لأحشائها ما دمت قد أخلصت في صداقتها.

يعلق زيزو على الموقف: «عايز أعمل تمشية في مناور القاهرة».

لكن من هم الناس الشعبيين؟ ألستُ إنسانًا شعبيًا؟

في الأفلام القديمة كان لفظ «بلدي» هو المقابل الموضوعي للـ «أرستقراطي». وفي حين أن يحيى حقي ونجيب محفوظ وغيرهما استخدموا وصف «شعبي» كمرادف للأصالة، كمستودع للصدق، فإنها اليوم تُستخدم كمقابل موضوعي لـ «ابن ناس»، والظاهر أن ابتعادنا عن ثقافتنا «الشعبية» على أمل أن نظهر كـ «أولاد ناس» أفقدنا تلك الأصالة وذلك الصدق.

«الحقيقة أن كلانا -أنا وساكن الحارة- إنسان شعبي، والاختلاف الحقيقي هو أنه لا يزال محملًا بالأسطورة والمعتقد في رؤيته للأشياء، بينما تجاوزت أنا ذلك بالتعليم، وهو إن لم يتعلم تعليمًا نظاميًا، لكن ذلك لا يجعله جاهلًا». يملك الرجل الشعبي المهمش ثقافة ملهمة حقًا، وكونها ثقافة شعبية تتخللها الأسطورة وتفتقر للمنهجية العلمية، فإن ذلك لا يضعه في مرتبة أدنى من ذي الثقافة الأكاديمية بأي حال.

«لو جلست مع رجل الكومباوند المصطنع ورجل الحارة الشعبي على طاولة واحدة، ستحب الرجل الشعبي أكثر، ستجد خفة الدم ومهارة النكتة وأصالة الحكاية والجاذبية والإلهام والرؤية الفريدة للأشياء والأمثال الشعبية المعبرة».

لا يزور الرجل الشعبي ضريح السيدة نفيسة كما يزوره المتبرئ من مصريته، لأن الطقوس التي يمارسها تتحرك فوق معتقد راسخ، ما ينعكس في النهاية كتجربة صادقة. وحين تقيم الست الشعبية في بيتها زارًا فإنها تؤمن حقًا أن عفاريتها المسلسلة ستجلب لها الخير وستدرأ عنها عين الحسود. لكن هناك زيارة مختلفة للسيدة نفيسة، وبمائتي جنيه يمكنك الاستمتاع بفولكلور الزار مع حفلات «مزاهر» في وسط البلد، وحتى أبو الهول يمكن مشاهدة شبيهه في لاس فيجاس، وكل هذه تمثلات لشيء واحد هو ابتذال الأشياء في عصر ما بعد الحداثة، حيث تتلاشى القدرة على التفريق بين الأصل والصورة. 

يعتقد الفيلسوف الفرنسي جان فرانسوا ليوتار أن النسخ المقلدة من الأشياء في عصر ما بعد الحداثة تصبح جزءًا من واقع الأجيال التي لم تولد في الأوقات التي كانت فيها ذات الأشياء هي النسخ الوحيدة من نفسها، وبمعنى ما تصبح محاكاة الأشياء هي الواقع. وفي مقالته الشهيرة «The Work of Art in the Age of Mechanical Reproduction» يقول الفيلسوف الألماني فالتر بنيامين أن العمل الأصلي يمتلك جاذبية أو سحر خاص يسميه «aura» أو الهالة، وهي صفة جوهرية في العمل الأصلي ليس من الممكن تكرارها إن أُعِيدَ إنتاجه بشكل ميكانيكي -كحالة زيارة الضريح وإقامة الزار-، والفكرة عند بنيامين أن الهالة مرتبطة بالطقوس التي خُلِق فيها العمل، والتفرد الذي يميزه، والاحترام والتقدير الذي يحيط بيه، ما يقطع الصلة في النهاية بين الشيء والقيمة التي يحملها. الآن أفهم مقولة بودريار الشهيرة «no more ideology, only simulacra»، لم يعد هناك اعتقاد حقيقي في أي شيء، فقط محاكاة تفضي إلى لا شيء..

خدمة في منطقة البغالة

أثناء حديثنا سألتنا سيدة تبدو غريبة عن القاهرة «هو مفيش جنينة هنا؟»، فكرتُ أنها تبحث عن الهدوء في قلب الزحام، وفكّر زيزو أنها ببساطة «عايزة مكان ببلاش». ولو أرادت الدولة أن تدمج الناس مع المدينة فما من بُد سوى توفير مساحة للمواطن الغلبان لالتقاط أنفاسه، وإلا فمن حقه أن يكره المدينة.

يقول المثل الروسي «خلق الله الريف، واخترع الشيطان المدينة». أتذكر هذا المثل في أيامي الصعبة في القاهرة، ويقتلني الحنين للزقازيق الطيبة كلما شعرت بانسحاقي تحت أقدام المدينة الملعونة. شاركت زيزو أفكاري فنبهني للفرق بين المدينة التي تسحقنا جميعًا والمدينة التي نحبها جميعًا. للقاهرة نظارات مختلفة تراها من خلالها. فالقادم من إقليم بعيد بحثًا عن عمل، يتنقل بين مواصلات عامة بطيئة في شوارع مزدحمة وفي أحياء حديثة ميتة لا بد أن يكره المدينة. ولسنا في معرض إلقاء مسؤولية هذه الكراهية على أي وزارة من الوزارات، وإنما يجب أن نتفق أنه ما من أحد سيمر بالجمالية وسيختبر نفس المشاعر. والأصالة هي كلمة السر، حتى وإن كان المار لا يعلم شيئًا عن القاهرة الإسلامية، فبواعث هذه الأصالة حاضرة وظاهرة للجميع؛ الناس وجلسات السمر والحرف والأصوات والقصص والروائح، كل هذا يخلق روحًا للمكان ويحافظ عليه حيًا.  

«سيرة القاهرة» وخطط الدولة للتطوير

يصف المثل الشعبي المكان بأن «ريحه خفيف»، وهو تعبير بليغ عن ارتباط الأصالة بالقِدم والممارسات الشعبية. فللمدينة روح كالإنسان، وبناسها الأصليين تبقى حية، «والبيت الأثري يبقى قائمًا ما دام أهله فيه، وما أن تخرجهم منه يتهدم خلال عام، وعلم ذلك عند الله». وكذا فإن أردت أن تصدر أمر إزالة لمنطقة أثرية، أفرغها من حرفها وممارساتها الشعبية وتقاليدها وقهاويها وأسواقها، سمّ ذلك تطويرًا إن شئت، لكنه في الحقيقة أمر إزالة. لا ينم ذلك إلا عن عدم معرفة حقيقية بالمدينة، عن أفق محدود وتفكير ضيق. التطوير ليس حزمة إشغالات وغلق وتنظيف، فوزارة الآثار تفعل ذلك دائمًا، ترمم الأماكن التراثية وتقفلها، في حين أنها إن لم تُعِد إحياءها بالناس فإنها تبقى مهددة، والمكان المقفل يتحول لمقلب زبالة خلال وقت قصير.

بهذه الزاوية من النظر للأمور يُتهم المهتمون بالتراث دومًا بالاحتفاء بـ «العفانة»، لكن من قال أن التطوير هو تشويه الأثر بطلاء قبيح، أو ترميمه وغلقه عن الزيارة، أو توسعة الحارة التاريخية لتضحى شارعًا بلا روح؟

وفي العالم كله لا يتصل التعامل مع المدن التراثية -كالبندقية وفاس- من قريب أو بعيد بالتعامل مع القاهرة، والقاهرة أجمل وأهم الف مرة. تحتفظ تلك المدن بنفس التخطيط التاريخي، ونفس الطراز المعماري الذي ميزها في المقام الأول، لكنها رُممت دون أن تُطمس معالمها، وُظِفت بما يناسب روحها دون أن تتحول لمسخ سياحي. «شارع الجمالية هو القاهرة وليس شارع المعز».

والعنصر الفارق هنا هو الحفاظ على النسيج العمراني للمكان، ومن قال أصلًا أن السائح لا يبحث عن سياحة شعبية؟ من قال أنه لا يريد مشاهدة القاهرة الحقيقية؟ ما أغبى استبدال محل حرفة تكفيت النحاس ببوتيك هدايا، أو استبدال المقهى الشعبي بكافيه سياحي! 

أعتقد أن «سيرة القاهرة» ستبقى -ما دام اهتمامها بالتراث- في قطيعة مع خطط التطوير التي تنتهجها المؤسسات الرسمية. ويعتقد زيزو أن القطيعة واقعة بسبب غياب النقاط المشتركة. فالدولة يعنيها الترميم، وهي ترحب فعلًا بعمل المؤسسات العملاقة التي تملك تمويلًا لترميم الآثار، لكن ما تقدمه «سيرة القاهرة» هو في النهاية شيء رمزي ومثالي وحالم. وزد على ذلك أنها مبادرة لا تقبل التنازل عن أي من أفكارها الأصلية، وتحتاط دومًا من فقدان مصداقيتها، وهي تخسر بذلك فرصًا كثيرة، فالارتماء في حضن الدولة يضمن تسهيلات كثيرة، والابتعاد عنه يقصيك دومًا إلى حارة «لعب العيال».

«أعتقد أن أقصى طموحات الدولة عن القاهرة هي أدنى طموحاتنا».

ليست «سيرة القاهرة» مكتبًا استشاريًا، ليس من المفترض أن تقدم حلولًا، هي فقط تجلو الغبار عن القيمة الحقيقية للأشياء، توثق بالصور وبالكتابة عنها، تصنع فيلمًا يحكي حكايتها، تلفت نظر الناس إليها،

«حين تسافر المغرب تنبهر، هم أذكياء في تسويق الأسطورة، على الرغم من أن بلدنا بلد الأساطير»، لم تتحول المغرب في توظيفها لحماماتها التراثية إلى نموذج شارع المعز، فهي مرممة ومحفوظة ولا تزال تؤدي نفس وظيفتها، فقط احجز تذكرة سياحية لتعيش السحر.

«أين حمامات القاهرة؟ المتبقي منها مهمل ومندثر ولا توجد خطة لتشغيله، أظن أنني لو عرضت تذكرة دخول حمامات القاهرة للسياح بمائة دولار سيقفون طوابير».

إن تهميش التراث لهو من أعظم خطايانا، فحروب العالم الآن في جوهرها حروب معرفية، يتقاتل الجميع على الحكاية، من يملك السردية التي ستعيش؟ من في النهاية سيمتلك حكاية «جحا»؟ هل الأفارقة هما أصحاب الحضارة الفرعونية؟ أين نحن من كل هذه الحروب؟

تراث القاهرة قوة ناعمة عظيمة لا تلقي الدولة لها بالًا، فهو أصلًا مصطلح غير رائج، ونحن نقول «آثار» وليس «تراث». وبذكره يتبادر للذهن تاريخ مصر القديمة وليس الإسلامية. لا يُدرس كمادة التربية الوطنية، رغم أنه أمضى سلاح في أيدينا لنخلق جيلًا يشعر بانتمائه لبلده.

«ما نفعله في السيرة يشبه كثيرًا الروح التي حاول أسامة أنور عكاشة إيقاظها في الناس في مسلسل أرابيسك، نقاوم ونوثق الحكاية قبل أن تُنسي وتُطمس، لن يصمد شيء أمام تيار الحداثة المنهمر، لكن على الأقل حافظ على القديم، امنع البناء الحديث في القاهرة الإسلامية، ليس لدينا ما هو أكثر من الجوامع والخاناقوات، لماذا تبني جامعًا جديدًا هنا؟»

ويعتقد زيزو أن عدم تواصل الدولة مع الشعب هو ما يخلق مثل هذه المشاريع غير المجدية بل والضارة. «بدلًا من بناء جامع جديد، لماذا لا يرمم السيد المسئول الجامع الأثري الموجود؟ وهنعمل لك يافطة يا باشا!».

مع فقدان كل حجر قديم ينطمس ملمح من ملامح المدينة القديمة، ورغم توهج تريند النوستالجيا والرجوع للقديم في العالم كله، فإننا لا نفعل شيئًا حيال ذلك. وحين نفعل يكون ذلك بشكل استشراقي بلا طعم، تمامًا كمن يبيعك تراب القاهرة في زجاجة، ولماذا أشتري تراب القاهرة وهو في أنفي كل يوم! أو كالمطعم الذي يقدم فول بطعم القاهرة، وما طعم الفول الذي أتناوله كل صباح يا ترى؟ كل هذه التجارب تخلق علاقة مشوهة بين المدينة والناس، فلا يعودون مصريين ولكن متمصرين، ومن الطبيعي أن يتعامل سكان «إيجيبت» مع الإفطار على عربة الفول الذي هو من أعمدة الحياة القاهرية، على أنها تجربة «ويلا نعملها مرة».

لا يمكن أن يُلام الناس بالكلية على هذه العلاقة الممسوخة بينهم وبين المدينة والتراث. فالأمر في النهاية أكبر منهم وأكبر من الدولة والمؤسسات، وتيار الحداثة والفردانية والاستهلاك يغمر الجميع. لم يعد من الممكن أن ينغمس الإنسان في أي شيء، لا وقت لأي شيء، لا وقت للقراءة، ابتلع ملخص الكتاب من «ريل» على إنستجرام، وحتى معرض الكتاب الذي يسجل أرقام حضور تاريخية يكون في أغلبه حضورًا مظهريًا.

الحل، كما يعتقد زيزو، أن تدشن الدولة مشروعًا قوميًا لإحياء التراث، والمشروع خطة عمل ومنهجية متكاملة وسياسات طويلة الأمد. لا يمكن بحال أن يقتصر دور وزارة الثقافة على مجموعة من الفعاليات والأنشطة، فهي تقزم نفسها بذلك لتزاحم المبادرات الصغيرة في عملها.

في عام 1969 أنشأ الدكتور ثروت عكاشة؛ وزير الثقافة معرضًا دوليًا للكتاب في القاهرة في ذكرى مرور ألف عام على بنائها، وهو من أهم المعارض في العالم ومن أكثر المشروعات تأثيرًا في الثقافة المصرية في التاريخ الحديث. وفي عام 1991 بدأ مشروع لا يقل تأثيرًا عن معرض الكتاب هو مشروع «القراءة للجميع». وفرت هذه المشروعات نافذة لأجيال الثمانينيات والتسعينيات تطل على التراث، لا يوجد ما يوازي ذلك في العصر الحالي، لا توجد خريطة ثقافية أو فهرس لمعرفة المدينة وتراثها.

«وزارة الثقافة لا تملك مراكز بحثية مناسبة، تعمل بعشوائية، وبدون منهجية واضحة، وهم في الغالب لا يعرفون بوجودنا».

التراث كاستثمار: قراءة في خطاب التطوير

«لجنة حفظ الآثار العربية لها يد بيضاء على القاهرة لأنها أحيت تراثها، ولولاها لكانت القاهرة القديمة مدينة مهدمة ميتة»، ويرى زيزو أن سلبيات لجنة الآثار أنها أخرجت منشآت كثيرة من تعداد الآثار بدعوى أنها لا تزال مُوظفة، ما أفقدها الحماية فصارت خرابًا في النهاية، كمان أنها أساءت حين جزأت الآثار، فالبيت الفولاني ليس أثرًا كله، تُحسب البوابة كأثر وتأخذ رقمًا، ثم يهمل باقي البيت ويتحول لإسطبل، وأكثر من تضرر من هذا الفعل هي الوكالات، والتي فقدت حرفها وتحولت إلى ورش (حدادة مثلًا) تقدم وظائف دخيلة على المكان.

إن إعادة توظيف الأثر اتجاه عالمي، لكن ذلك لا يمنع من دراسته لتوظيفه بما يناسب روحه، ولتكن الأولوية لحفظ روح الأثر وليس للوظيفة المدرة للربح؛ «ماتعملوش كافيه أو بوتيك، ماتحلبش الأثر».

وتحكي هويدا عن بيت غاية في الجمال في قصبة رضوان، لكنه غير مسجل كأثر، وهي لا ترى مشكلة في أن البيت يسكنه ناس بالفعل، لكن المشكلة من وجهة نظرها في محل البلايستيشن الذي يستأجر الدور الأرضي من البيت ويشوه واجهته؛ «مش عايزين نقطع عيش الناس، بس استرزق بطريقة ملائمة لروح الأثر، في الأول وفي الآخر الناس جزء من الأثر».

الأثر كيان متجمد في المكان في زمن سائل، فمنذ 700 سنة افتتح الأمير قراسنقر مدرسة، وإعادة إحيائها لا بد أن تحافظ على قدسية قِدمها، فلا يجب أن تتعرض للخطر، ولا يجب أن تتحمل كثافة جمهور ضخمة. والناس من حول الأثر هم أعرف الناس بقيمته وبأنسب طريقة لإعادة توظيفه، والتواصل مع المجتمع المحيط ليس تفضلًا فالأثر ملكنا جميعًا. وحتى لو لم يصبح الأثر مربحًا بعد إعادة توظيفه، فهل وزارة الثقافة وزارة استثمارية في الأساس؟ أليس دورها أن تدعم الثقافة!

«بيت السناري من التجارب الملهمة في إعادة توظيف الأثر»، فالمكان يرعى أنشطة ثقافية مناسبة لروحه، ويحتضن معارض وندوات وورش تفرد مساحة حرة للإبداع، والفضل في ذلك يعود لوجود إدارة ذكية. والبيت وإن كان يتبع مكتبة الإسكندرية، إلا أن إدارته تجاوزت الروتين الحكومي، فالمدير مثقف واسع الأفق لا يعمل كمجرد موظف.

الأنشطة والتوثيق: أصوات من الحارة إلى الأكاديميا

تقع «سيرة القاهرة» في منزلة وسيطة بين الشعبي والأكاديمي، فأمام مئات المصادر والمراجع والأبحاث والصور واللوحات والخرائط لا بد من وجود مصفاة تخرج منها هذه المعرفة الجافة مصاغة للجمهور العام. ومهما كنت مغرمًا بالقاهرة سيظل المقريزي مستغلقًا على فهمك، ولا بد من وسيط لمعالجة صعوبته وإلغازه. تقدم «سيرة القاهرة» سلسلة هامة ومفيدة بالتعاون مع دار المعارف، ويبدو أن المدينة التي ألهمت المقريزي للكتابة عنها، لا تزال منبعًا لإلهام، فالإصداران اللذان خرجا للنور حتى الآن قيمان حقًا، ويخالفان السائد في مضمارهما؛ «بيوت القاهرة: ترحال فى حكايا الحجر» لياسمين عبد الله، و«خطط القاهرة: مقالات فى التطور العمراني» لفتحي حافظ الحديدي. 

تطمح السيرة باستكتابها كُتابًا من المغرمين بالقاهرة لترك بصمة حقيقية، فإتاحة أعمال أصيلة عن المدينة للجمهور العام شيء ربما لا يتوفر لدى الأكاديميا دائمًا، إذ تكتظ أرفف الجامعات برسائل وأبحاث هامة ومفيدة حقًا لكنها لن تعرف طريق النشر أبدًا، في حين أن المناخ الثقافي في أمس الحاجة لغذاء من هذا النوع. ولذا فإن زيزو يطمح لأن تنمو السلسلة لتصبح كسلسلة «اقرأ» مثلًا، ولم لا؟

وحين تعمل السيرة على توثيق شارع ما، فإنها توثقه فوتوغرافيًا، تصنع عنه فيلمًا وثائقيًا، ترسم له خرائط وافية، تصدر عنه كُتيب موجِز، تعرض في ندوة تجميعة لموتيفاته الشعبية وتاريخه الشفاهي من ألسنة أهله، تدون الجانب الأسطوري من حكايته، توظف رسامًا لينتج آرت بوك عنه، وتتيح كل ذلك رقميًا. لدى السيرة إنتاجات أخرى غير الكتب كالأفلام الوثائقية والقصيرة والتي تشارك بها في مهرجانات عدة، أذكر منها على سبيل المثال فيلمًا رائعًا لنزار الصياد بعنوان «قاهرة بين القصرين». قد يكون هذا الشكل من التوثيق مفيدًا ومبكيًا في آن بعد 10 سنوات حين يتغير وجه المدينة تمامًا.

فيلم «قاهرة بين القصرين»

ورغم أن فكرة الأرشفة قد أصبحت تريند في كل المواقع الثقافية الآن، لكن الفرق في رأيي بين توثيق السيرة وعمليات التوثيق الأخرى هي أنها غير ممولة تمامًا، ولذا فهي وإن لم تملك نفس الكفاءة، لكن «ليها طعم عشان عايزة طولة بال، احنا بنغزل برجل حمار» بتعبير زيزو.

في التوثيق يطفو سؤال التناقض بين الرواية الشفهية والرواية الرسمية على السطح دائمًا. وبالنظر لأنهما أبدًا ما يلتقيان، وأن دور المبادرات المستقلة ليس بناء أرشيف دولة موحد بطبيعة الحال، فمنهجية المقاربة التي تحذوها السيرة تبدو ذكية ووافية. فالتاريخ الشفهي يساعد في التعرف على الذهنية الشعبية؛ كيف تفكر؟ كيف تتلقى الأحداث؟ وكيف تصيغها في النهاية؟ ما يقدم زاوية أنثربولوجية غنية جدًا. 

والتعامل مع الأسطورة على أنها تافهة وغير ذات قيمة بعدسة العلم، يضيع علينا الإفادة من الرسائل التي تحملها. حاول صانع الأسطورة دائمًا إيصال رسالة، عمد في ذلك لزخرفتها وإضفاء طابع سحري عليها، ربما كانت الرسالة مقاوِمة ومتمردة على السلطان أكثر من اللازم، وإذن فما من خيار أمام صانعها غير زخرفتها بدهاء في شكل زجل أو سيرة شعبية. وهناك تفسير آخر يبدو ذو وجاهة، فكلما افتقرت القصة للخيال لا يستسيغها الذوق الشعبي، فرواد المقاهي وقعدات المصاطب -شئت أم أبيت- يفضلون الخوارق، وهم لا يعبأون بحقائقك الكاشفة، إن كان ولا بد من حقيقة فلتضف إليها أكبر قدر ممكن من البهارات، ولتقلها في معرض الحديث عن كرامة الولي ومعجزاته. من هذه الزاوية الاجتماعية -لا التاريخية- تُفهم «السيرة الظاهرية» أنها ليست ترجمة دقيقة للسلطان المملوكي الظاهر بيبرس، وإنما هي حكاية الناس الذين تعلقوا به في زمن احتاجوا فيه لبطل ينقذهم من المغول، وبهذا الفهم ما من غرابة في أن تُنسج حوله الأساطير.

وحين تفكر في توثيق القاهرة، فالأمر يتجاوز الأوراق والتاريخ الشفهي، فالتاريخ اللا مادي بشكل عام معبر بشدة. والأصوات والروائح وإن لم تكن ملموسة في تراث القاهرة، لكن لكل مدينة رائحة وصوت. ولكل مدينة القدرة على إشعارك بشعور مختلف، بم تشعر في أحضان القاهرة؟ 

شخصيًا أشعر بالوقار، لكن صديقًا أخبرني أنها تشعره بأنه في حلبة ملاكمة، وآخر أخبرني أنه يحتمل ضوضاء القاهرة كلما فكر فيها كحفلة روك صاخبة. والصخب القاهري أشهر من النار على العلم، فأصواته متداخلة متصارعة لا يمكن تقريبًا سماع أيٍ منها على حدة. وأثناء نقاشي مع زيزو على قهوة «عم هشام» كنا نصرخ تقريبًا لنسمع بعضنا من صوت طرقعة صواني الفطاطري وقلي الطعمية في الزيت ودقدقة تكفيت النحاس ورنين أواني طحن البن وغناء بائع البليلة الجائل؛ «بليلة يا بشرية حلوة وجميلة، بليلة يا بشرية طعمة وجميلة».

حين تؤرخ السيرة أصوات القاهرة تفكر في كيفية صهر كل هذا المزيج المتنافر المتجانس في آن مع القديم. وكما تخيل نجيب محفوظ صوت أناشيد التكية في الحرافيش ثم حكى عنها بمهارة، فتوثيق أصوات القاهرة كتابةً يتطلب أن «تكتب كتابة أرابيسك» بتعبير زيزو. حكى لي زيزو أنه سأل الموسيقار هشام نزيه مرة «ما هو صوت القاهرة في الموسيقى؟» فصوت الهند معروف للجميع تقريبًا، وإيطاليا والمكسيك وتركيا كذلك، الملفت أن نزيه عجز عن الإجابة ورد بأن تحديد ذلك يحتاج دراسة عميقة جدًا. ربما لو مد الله في عمر سيد درويش لأخبرنا.

ومع وجود كل هذه التفاصيل، فكر معي؛ كيف يمكن أن نصنع فيلمًا عن الجمالية؟ يحتاج كل شارع لفيلم، وتحتاج كل التفاصيل للاهتمام، لا لأنها أثرية فقط ولكن لأنها بتعبير زيزو رماد تاريخي؛ «تاريخ القاهرة هو تاريخ اشتعالها، ما تبقى منه رماد، يفط الشوارع رماد تاريخي، تبقى القصص في الكتب، لكن أمارة صدقها هي اليافطة، الحارة احترقت حتى تفحمت، لكن رمادها لا يزال فيه الروح والنفس وحين تُزال يكتمل الإطفاء». 

من يعرف حكاية «سكة بير المِش»؟ ولماذا تعلو يافطتها اليوم يافطة «شارع أبو حريبة»؟ نشرت مجلة «الاثنين والدنيا» التي كانت تصدرها مجلة «الهلال» تقريرًا سنة 1941 عن التسميات الغريبة للشوارع، وفسرت الأمر بأن في الشارع بئر يخرج منه جردل مِش يتزاحم حوله الأهالي بأرغفتهم كل يوم. في موقع البيت رقم 14 بالشارع كان في زمنٍ فات جامع لأمير مملوكي اسمه «صَلَغ أطمش القلمطاوي الدوادار»، أُلحِق بالجامع بئر سُمِي «بير أتمش»، وحرّفه الأهالي تخفيفًا لـ «بير المش». اندثرت آثار الأمير، وبقيت السكة تصل بين الدرب الأحمر والباطنية، بين جامع «أصلم السلحدار» المعروف بجامع أصلان وبين جامع «قجماس الإسحاقي»؛ أمير مملوكي آخر لم يشأ القدر أن يُدفن تحت قبته وإنما دُفِن مكانه ولي من أولياء الله يُدعى «أبو حريبة».

هذه إذن حكاية الشارع ذي اليافطتين. ربما كان كاتب تقرير مجلة «الاثنين والدنيا» من أهل القاهرة، لكنه ليس من أهل المكان، وكذا فإن لكل عطفة في القاهرة بروتوكول مُستغلق على غير أهله. وحتى ذاكرة الأهالي ستنطمس يومًا، لكن اليافطات المنسية هي آخر ما تبقى لنا لتظل حكايات الأزمنة الغابرة حية. وتخطيط القاهرة القديم رماد، وبتغييره تتغير ملامح المدينة، ومع إلغاء العطفة وتحويلها إلى شارع، ينطفأ الرماد تمامًا.

«الرسالة التي تحملها السيرة هي أن نعرف في النهاية من نكون، الناس تعيش هنا ولا تعرف شيئًا عن تاريخها»، وتحكي أستاذة هويدا عن صديقة من أصدقاء السيرة تعيش في الدرب الأحمر منذ 15 سنة لكنها عرفت أشياء عن حيها فقط حين مشت مع السيرة، غريب أن نعيش في المدينة دون أن نعيش معها.  لكن حالة العزلة التي يعيش فيها أبناء القاهرة عن مدينتهم ليست ظاهرة حديثة بحال، حسبما ترى أستاذة هويدا، فلقرون طويلة عرف المستشرقون والسياح وتجار الآثار واللصوص على حد سواء، عرفوا جميعًا قيمة باب التكية والأثر المشطور في جامع الشيخ نعمان، عرفوا ما تحمله المقابر من قيمة، بينما نحن نيام. 

ولا تعزو هويدا الصبغة الجمالية التي نضفيها على تراثنا للنوستالجيا، على الرغم من أنها لا تدين النوستالجيا معتبرة أنها جذورنا، وبدونها نضحى بدون ذاكرة، بدون هوية، «لا أدين النوستالجيا، ممكن تبقى معوقة لو بتقلب في الصور وتعيط، وممكن تحولها لذاكرة وعمل وفن وحياة متجددة».

وتشير في نفس السياق إلى أن المصري الآن هو نفس الشخص الذي كان يمارس إحدى الحرف في الجمالية من مائتي عام، «لكنه فقد جزء كبير من روقانه وروحه وإحساسه، السيرة بترد لنا الذاكرة، عشان نعرف احنا مين وعملنا إيه»، وحين سألتها لو كانت حالة فقدان الذاكرة الجماعية الحالية ظاهرة سياسية، ردت بأن عدم الاهتمام بالتعليم أفسد على ذاكرة الناس من غياب المشاركة السياسية.

مستقبل سيرة القاهرة: الفصل القادم من تاريخ المدينة

على كل حال، فإن «سيرة القاهرة» لا تزال تسير بالجهود التطوعية لأن وقودها المحرك في الأساس هو الكلف بالمدينة، والاستمتاع بتعريف أهلها بها، والتأثير في الأجيال الجديدة، ونقل عدوى «الجذب القاهري» لهم، وهو ما لم يتوقف عن الحدوث لخمس سنوات، والإنتاجات الفنية التي تحمل لوجو «سيرة القاهرة» أصدق دليل.

تعيش السيرة -بخطتها المعاكسة للتيار- في صراع بقاء، وأهم مهددات بقائها هو الروتين، لذلك فهم يعمدون دومًا للخلق والابتكار، كمشروع «كايرو جيفت» الذي من المفترض أن يوفر دعمًا ماديًا للمبادرة دون مساعدة خارجية. فمع غياب الرعاة فكر زيزو في إصدار منتج سياحي بسعر غير سياحي يسوّق للافتات القاهرة المطمورة، وهو لا يستهدف لافتات الشوارع الشهيرة فقط كشارع المعز أو بين القصرين؛ إذ هي فكرة موجودة بالفعل، لكنه على العكس يهدف للتوعية بشوارع القاهرة الحقيقية مع توفير دعم لورش المباردة الأخرى غير الربحية.

في الختام سألت زيزو متى سيهضم القاهرة تمامًا، أخبرني أن المدينة أكبر بكثير من حياته القصيرة، «ربما أحتاج مائتي عام مثلًا لتعتبرني القاهرة من معارفها وليس من أصدقائها حتى»، لا تُحصى القاهرة في حياة واحدة لأن عمرها هو مجموع حيوات سكانها.

وتمنى زيزو أن يواصل المشي في القاهرة وتوثيق حكاياتها حتى وهو في السبعين من عمره، مشيرًا إلى تخوفه من أن يقعده المرض عن المشي. ويستذكر بشجن ما سخرنا منه صغارًا حين كان يحدثنا الأجداد عن شارع كان يوجد به كذا وكذا زمان، ويصف هلعه الأكبر أن تكون القاهرة التي يعرفها جيدًا غريبة عليه حينها.

وفق التعليمات التالية بدقة:

1. الهيكل الأساسي:
– بداية مباشرة بمحتوى نصي (بدون أي عناوين تمهيدية)
– عنوان رئيسي

يتضمن الكلمة المفتاحية الأساسية
– فقرة نصية
– عنوان فرعي

يتضمن مرادف الكلمة المفتاحية
– تتمة المقال

2. متطلبات التنسيق:
– استخدام ترميز HTML للعناوين (

و

)
– عدم ظهور أي علامات Markdown (## أو ###)
– المحتوى النهائي نظيف وخالي من الأكواد الظاهرة

3. مواصفات المحتوى:
– المحافظة على المعنى الأصلي
– عناوين مستمدة من صلب الموضوع
– لا إشارة للمصادر أو التعليمات
– لا ذكر لعدد الكلمات
– يجب أن لا يقل المحتوى عن 300 كلمة
4. ممنوعات:
– لا أكواد ظاهرة
– لا علامات Markdown
– لا عناوين مكررة
– لا معلومات وصفية عن العملية