د. عبدالرزاق بني هاني يستعرض تأثير اقتصاديات الرويبضة على مفهوم الدولة اللامعيارية

الدولة اللامعيارية وخصائصها الاجتماعية والنفسية

أواصل حديثي في هذا الجزء الثاني حول الخيال الذي تجسده رواية غاردينا. تصوّر هذه الرواية مجتمعًا تجري فيه مظاهر غريبة حول الطموح لبناء تاريخ جديد. وقد قسّمت الخصائص إلى إحدى عشرة سمة تُوضح تعثّر هذا المجتمع على حافة انهيار شامل. لا تتمثل أركان هذا المجتمع في هياكله، بل في فراغها وقلة ثقتها، ولا تظهر قيمه إلا من خلال أدائه الاستعراضي الساخر. يعيش هذا المجتمع حالة متقدمة من “اللامعيارية”، حيث غياب القواعد يشتت الوعي الجمعي، مما يترك الأفراد غارقين في انعدام اليقين والخوف الوجودي. يمكننا وصفه بـ”الدولة اللامعيارية” أو بطريقة أكثر شاعرية بـ”الكيان الزائل”، حيث لا يبنى هناك شيء مستدام، خصوصًا الثقة والأمل. سيتناول تحليلي هنا الديناميكيات المرتبطة بهذا المجتمع، وكيف تسهم أزماته النفسية والاجتماعية والاقتصادية في تعزيز بعضها البعض ضمن حلقة مفرغة مدمرة.

الانفصال النفسي: شعور الوقتية والاغتراب

في جوهر هذه الدولة اللامعيارية نجد مشكلة نفسية جذرية، وهي الشعور العام بأن وجود الإنسان مؤقت. هذا الإحساس ينشر حالة من عدم الاستقرار حول الأمان والازدهار والحياة المستقبلية. يصعب على الفرد الاستثمار في مجتمع أو علاقات إذا كان الأساس هشًا. يبدو المستقبل في غاردينا كتهديد غامض يتزايد معه القلق، مما يشل أي جهود بناءة على المدى البعيد.

ينتج عن هذه الحالة شعور عميق للاغتراب — سواء كان اقتصاديًا، اجتماعيًا، سياسيًا أو نفسيًا. عندما نغفل عن ربط مستقبل مستقر، نُعزل عن المجتمع ككل، حيث يُعتبر النسيج الاجتماعي نتاج افتراضات مشتركة وولاء متبادل. في الدولة اللامعيارية، تتقطع تلك الخيوط ويشعر الأفراد بالانفصال عن مفهوم “المجتمع”. الناس لا يمثلون مواطنين يساهمون في مشروع مشترك، بل يبدون كذرات معزولة تعاني من فوضى ونقص في الثقة. هذا الإحساس بالفردية يُعزز من شعورهم بأن لا أهمية لهم في النظام، ويُولّد سلوكيات تؤدي لمزيد من الهدم الاجتماعي.

تتهاوى العلاقات الإنسانية في هذا المناخ، حيث تتحول الخيانة إلى سلوك طبيعي بدلًا من أن تكون استثناءً. في مجتمع يخلو من الثقة، يصبح الولاء عبئًا، والمصلحة الفردية تأخذ الأولوية وتهدم أي روابط بين الأفراد. بذلك، يحكم منطق الصراع على كل تفاعل، مما يؤدي لتدمير آخر بقايا التماسك الاجتماعي ومُعزّزًا لمناخ من الشك والانفصال.

يساعد هذا التدهور في توضيح لماذا يتصرف الأفراد بطرق مُدمرة، فهم يشعرون بأنهم في حالة من اليأس ولا يمتلكون أي دعم من المجتمع أو النظام.

الشعور باللاجدوى يظهر بشكل أوضح في تفاعل الأفراد، إذ يسود بينهم قانون “أنا أو لا أحد”، مما يؤدي إلى نتائج مدمرة على مستوى الأفراد والمجتمع ككل.

باختصار، إن الدولة اللامعيارية تجسّد حلقة مغلقة من الخلل الوظيفي، حيث تعزز كل عناصرها بعضها البعض، مما ينذر بمستقبل قاتم إذا لم يتم معالجة الأزمة بصورة جذرية. إن انعدام الثقة والاغتراب يشكلان مقدمة لتفكك المجتمع الذي يعتمد عليه الأفراد، وهو ما يتطلب تغييرات عميقة وشجاعة لتحقيق الانعتاق والعدالة.